الشيخ الطبرسي
148
تفسير مجمع البيان
بالبلاء والجلاء ، ومنع القطر ، وذهاب الثمار ، عن الضحاك . ( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ) معناه : وإذا أنزلت سورة من القرآن ، وهم حضور عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كرهوا ما يسمعونه ، ونظر بعضهم إلى بعض ، نظرا يؤمنون به ( هل يراكم من أحد ) ، وإنما يفعلون ذلك ، لأنهم منافقون يحذرون أن يعلم بهم ، فكأنهم يقول بعضهم لبعض : هل يراكم من أحد ، ثم يقومون فينصرفون ، وإنما يفعلون ذلك مخافة أن تنزل آية تفضحهم ، وكانوا لا يقولون ذلك بألسنتهم ، ولكن ينظرون نطر من يقول لغيره ذلك القول ، فكأنه يقول ذلك . وقيل : معناه إن المنافقين كان ينظر بعضهم إلى بعض نظر تعنت وطعن في القرآن ، ثم يقولون : هل يرانا أحد من المسلمين ، فإذا تحقق لهم أنه لا يراهم أحد من المسلمين ، بالغوا فيه ، وإن علموا أنهم يراهم واحد منهم ، كفوا عنه . ( ثم انصرفوا ) أي : انصرفوا عن المجلس . وقيل : انصرفوا عن الإيمان به ( صرف الله قلوبهم ) عن الفوائد التي يستفيدها المؤمنون والسرور بها ، وحرموا الاستبشار بتلك الحال . وقيل : معناه صرف الله قلوبهم عن رحمته وثوابه ، عقوبة لهم على انصرافهم عن الإيمان بالقرآن ، وعن مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقيل : إنه على وجه الدعاء عليهم أي : خذلهم الله باستحقاقهم ذلك ، ودعاء الله على عباده وعيد لهم ، وإخبار بلحاق العذاب بهم ، عن أبي مسلم ( بأنهم قوم لا يفقهون ) أي : ذلك بسبب أنهم لا يفقهون مراد الله بخطابه ، لأنهم لا ينظرون فيه . ثم خاطب الله سبحانه جميع الخلق ، وأكد خطابه بالقسم فقال : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) عنى بالرسول محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، أي : جاءكم رسول من جنسكم من البشر ، ثم من العرب ، ثم من بني إسماعيل ، عن السدي وقيل : إن الخطاب للعرب ، وليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وله فيهم نسب ، عن ابن عباس . وقيل : معناه إنه من نكاح لم يصبه شئ من ولادة الجاهلية ، عن الصادق عليه السلام . وروى ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شئ ، ما ولدني إلا نكاح كنكاح الاسلام . وإنما من الله عليهم بكونه منهم ، لأنهم عرفوا مولده ، ومنشأه ، وشاهدوه صغيرا وكبيرا ، وعرفوا حاله في صدقه وأمانته ، ولم يعثروا على شئ يوجب نقصا فيه ، فبالحري أن يكونوا أقرب إلى القبول منه ، والانقياد له .